فخر الدين الرازي
131
المطالب العالية من العلم الإلهي
العلة المؤثرة يجب أن تكون موجودة ، حال وجود المعلول ، أما في [ كتاب الإشارات وسائر الكتب ، فلم يذكر هذه المقدمة ، والحق ما ذكره « 1 » في ] كتاب النجاة بالبيان الذي ذكرناه . وإذا عرفت هذا فنقول : لو لم تكن العلة واجبة الحصول حال حصول المعلول ، لكانت إما أن تكون علة لهذا المعلول ، حال ما كانت تلك العلة موجودة ، أو بعد « 2 » أن صارت معدومة ، والأول [ باطل « 3 » ] لأن في تلك الحالة المتقدمة لم يصدر « 4 » عنها شيء أصلا ، فامتنع كونها علة ومؤثرة . والثاني باطل ، لأنها في الزمان الثاني قد صارت معدومة ، والمعدوم لا يكون علة للموجود . فإن قيل : لم لا يجوز أن يقال : العلة حال وجودها أوجبت وجود المعلول في الزمان الثاني منه ؟ فنقول : هذا باطل ، لأن في الزمان الثاني « 5 » إن لم يصدر عنه أثر البتة ، لم يكن في ذلك الزمان علة ولا مؤثرا [ البتة . وإذا لم يكن في ذلك الزمان علة ولا مؤثرا « 6 » ] فلو صار علة في الزمان الثاني ، مع أنه في الزمان الثاني صار معدوما ، لزم كون المعدوم علة للموجود ، وهو محال ، وإن لم يصر علة أيضا في الزمان الثاني ، كان هذا تصريحا بأنه ليس علة ولا مؤثرا البتة ، وأما إن قلنا : إنه في الزمان الأول قد صدر عنه أثر ، وكان هذا الأثر حاصلا في ذلك الزمان ، فحينئذ يكون المؤثر موجودا حال حصول الأثر ، وذلك عين « 7 » المطلوب . واحتج من خالف في وجود هذه المعية بأمور : الأول : إن هذه المعية لو كانت معتبرة ، لكانت إما أن تكون عبارة عن المعية بالذات ، أو عن المعية بالزمان ، والأول باطل ، باتفاق العقلاء على أن العلة لا تكون مع المعلول بالذات ، والثاني باطل لأن المعية الزمانية لا تصدق إلا على ما كان زمانيا ، وكل زماني فهو متحرك متغير ، وما لا يكون كذلك كانت المعية الزمانية ممتنعة ، في حقه .
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) حال ( س ) . ( 3 ) من ( س ) . ( 4 ) لا يغنى ( س ) . ( 5 ) الأول ( ز ) . ( 6 ) من ( س ) . ( 7 ) من ( ز ) .